أحمد الشرباصي
110
موسوعة اخلاق القرآن
جعلهم في أول أوقات دخولهم في الاسلام عارفين بالله ، ولا ريب أن هذه المعرفة ليست كمعرفة المهاجرين والأنصار ، فالناس متفاوتون في درجات المعرفة تفاوتا بعيدا » . ولكن ، من الذي يستحق وصف العارف . ان أطباء القلوب والأرواح يرون - كما يورد ابن القيم - أن المعرفة هي العلم الذي يقوم العالم بمقتضاه وموجبه ، فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده ، ولا يصفون بالمعرفة الا من كان عالما بالله ، وبالطريق الموصل إلى الله ، وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة . فالعارف من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، ثم صدق الله في معاملته ، ثم أخلص له في قصده ونيته ، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة ، ثم تطهر من أدرانه ومخالفاته ، ثم صبر على أحكام الله في سرائه وضرائه ، ثم دعا اليه على بصيرة بدينه وآياته ، ثم جرد الدعوة اليه وحده بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومقاييسهم . . . ومن دقائق التعبيرات الدائرة حول فضيلة « المعرفة » قول يحيى بن معاذ : « العارف كائن بائن » . ولدقة هذه العبارة تعددت الأقوال في تفسيرها ومعناها : قيل إن معناها أنه كائن مع الخلق بحسه وظاهره ، بائن عنهم بسره وقلبه . وقيل : كائن بربه ، بائن عن نفسه . وقيل : كائن مع أبناء الآخرة ، بائن عن أبناء الدنيا . وقيل : كائن مع الله بموافقته ، بائن عن الناس في مخالفته . . . ويستحسن ابن القيم وجها آخر في التفسير ، هو حسب تعبيره : أنه داخل في الأشياء خارج منها ، فان من الناس من هو داخل فيها ، لا يقدر على الخروج منها ، ومنهم من هو خارج عنها ، لا يقدر على الدخول فيها ، والعارف داخل فيها خارج منها .